من شغف في زاوية صغيرة بالمنزل.. إلى تأسيس "معمل الطبيعة" للكيمياء الخضراء

١٤ أبريل ٢٠٢٦
Salwa
من شغف في زاوية صغيرة بالمنزل.. إلى تأسيس "معمل الطبيعة" للكيمياء الخضراء


من شغف في زاوية صغيرة بالمنزل.. إلى تأسيس "معمل الطبيعة" للكيمياء الخضراء

بدأت الحكاية من زاوية صغيرة في منزلي، وحلم يكبر بصمت.. حلم بتأسيس مشروعي الخاص بعيداً عن قيود الوظيفة وروتين الشركات.

لم تكن الظروف مفروشة بالورود؛ فأنا أم مسؤولة عن بيت وأبناء.

وفي يوم، قادتني الصدفة إلى مقطع في اليوتيوب إلى عالم سحرني؛ صانعات يبدعن في تحضير منتجات العناية من منازلهن. وبصفتي عاشقة لمنتجات العناية الباهظة، وقعت في غرام هذا الفن.

كنت أتابع مقاطعهن بشغف يومي، وفي داخلي صوت يتردد: "كيف أصنع مثلهن؟ ومن أين أبدأ؟"


ثمن الشغف.. وبداية التخبط

لأنني أردت البدء بأي ثمن، كنت أقتطع من مصروفي الشهري البسيط، وأتنازل عن احتياجاتي الشخصية لأوفر ثمن أبسط المكونات.

كانت المواد شحيحة في بلدي، والطلب من الخارج معقداً.

ورغم كل هذه الصعوبات، لم أسمح لليأس أن يوقفني؛ بدأت بشراء ما تيسر من المواد لأُطبق ولو منتجاً واحداً فقط.

بدأت التطبيق المنزلي، وهنا بدأت الخيبات؛ كنت أخلط المكونات دون فهم لخصائصها، تتلف المنتجات، تتكون البكتيريا، ولا أحد يجيب على أسئلتي: ما هو بديل هذه المادة؟ ولماذا فشلت تركيبتي؟


صدمة التدريب العشوائي: العصر الحجري للصناعة

قررت الاستثمار في نفسي والبحث عن مدربين، بدلاً من تقليد الصانعات على اليوتيوب بدون فهم، وهنا كانت الصدمة الكبرى.

في الدورات وجدت عشوائية لا تمت للاحترافية بصلة؛ مدربات يستخدمن عبوات الجبن الفارغة لوزن المواد، ومفارش بلاستيكية، ومحتوى تدريبياً منسوخاً من الإنترنت!


بحثت عن مدربين في دول أخرى على أمل أن أجد عندهم الأمانة والمصداقية. فرغم رقي أدواتهم، اصطدمت بكارثة الاستسهال؛ حشو التركيبات بمواد كالفازلين، والبرافين وغيرها من المواد الصناعية الكارثية وتكديس المستحلبات في التركيبة دون مبرر علمي.

ورغم أنني كنت مبتدئة، إلا أن فطرتي ومنطقي كانا يرفضان هذا العبث.

كنت أسأل نفسي: كيف أبحث عن المكونات الطبيعية التي تُغنيني عن كل هذه الكيماويات؟

لم يكن الأمر مجرد شكوك داخلية، بل كانت النتائج أمام عيني تثبت هذا التخبط.

كانت كل تركيبة تُعطى بوزن مختلف وعشوائي، وأنا كمبتدئة كنت أصنع كميات كبيرة وتكلفني الكثير، وفي النهاية.. تفشل! وعندما كانت تفشل التركيبة وأسأل المدرب، كان الرد الصادم: "زيدي ماء!".. لتتحول تركيبة من وزن 274 جراماً إلى 1500 جرام من التخبط!


كانت في داخلي عاصفة من التساؤلات التي لا تهدأ:

* لماذا كل تركيبة لها وزن مختلف؟

* لماذا نستخدم كل هذه المستحلبات في تركيبة واحدة؟

* لماذا نكدس زيوتاً كثيرة، وكيف أعرف فوائدها الحقيقية وأيها الأفضل؟

* ولماذا يتم حشو التركيبة بالفازلين والمواد الصناعية المشتقة من البترول؟

* ولماذا... ولماذا...؟


كانت الإجابات دائماً باردة ومقولبة: هذا منهج الشركات في التصنيع!

لم تكن الإجابات شافية لي أبداً.

ما صدمني لم يكن الفشل فقط… بل أن الخطأ كان يُقدَّم وكأنه القاعدة.


وكان "العلم" في كثير من الأحيان مجرد بحث سريع من الإنترنت.

حينها أدركت أن المشكلة لم تكن في فشلي… بل في الأساس الذي كنت أتعلم عليه.



وللأمانة، لم يمر هذا الفشل عادياً. أتذكر جيداً أنني بكيت كثيراً؛ بكيت في كل مرة كنت أبحث فيها عن "طوق نجاة" وأفشل، وفي كل مرة كنت أخسر فيها المزيد من المال، والوقت، والمواد التي وفرت ثمنها بصعوبة.


لكن من قلب هذا الألم، بدأ داخلي رفض حقيقي… رفض أن أكون جزءًا من هذه العشوائية.

"كان هدفهم تسويق تركيبة بأرخص المكونات التجارية ليحققوا ربحاً أعلى، متجاهلين أبسط قواعد الأمانة العلمية."

لكن قلبي كان يرفض هذا العبث، كنت أؤمن أن هناك علماً حقيقياً، وطريقاً أنقى لصناعة المنتجات.


الرحلة نحو الحقيقة.. ودعوات السند العظيم

في تلك اللحظات الحاسمة، كان لأخي (الطيار المطلع على العالم) الدور الأكبر، فقد آمن بشغفي ودفعني للخروج من الصندوق المغلق للتدريب العشوائي.

أما الجندي المجهول وراء هذا العبور، فكانت والدتي الحنونة -رحمها الله وأسكنها فسيح جناته. لقد كانت ملاذي الآمن، تكفلت برعاية أبنائي وحملت عني عبء غيابي ومسؤولية بيتي بكل حب، لتمنحني فرصة التفرغ للدراسة وطلب العلم.


بفضل دعم أخي، وتضحية أمي العظيمة ودعواتها، كرست جهدي ووقتي للدراسة والتدريب.

وهنا.. انقشع الضباب. وجدت إجابات علمية دقيقة لكل أسئلتي، وأدركت الفجوة العميقة بين "خلط المواد" وبين "الكيمياء التجميلية". عرفت كم أهدرت من مال على مواد صناعية لها بدائل طبيعية أفضل، ومواد متشابهة كان يكفيني منها مكون واحد.


"معمل الطبيعة": الحلم الذي أصبح واقعاً

بعد وقت طويل من الدراسة، وعندما تعلمتُ كيف أقرأ مكونات التركيبات التجارية وأفك رموزها، كانت الصدمة الحقيقية. أدركتُ حينها حجم الكارثة، ولماذا يجب أن أحمي نفسي وعائلتي من تلوث المنتجات التي تدّعي زيفاً أنها "طبيعية". لقد تغيرت حياتي بالكامل؛ أصبح هذا الوعي يمتد حتى لغذائنا، ولم أعد أقبل بشراء أي منتج دون أن أقرأ وأفهم ما يحتوي.

من رحم تلك المعاناة، ومن هذا الوعي الجديد، رجعت حاملة رسالة، وأسست "معمل الطبيعة". لقد حققت الحلم الذي بدأته.. أن أعمل وأنجح دون أن أترك أبنائي وبيتي.

أكبر إنجازاتي اليوم هو أن أكون "المرشد" الذي تمنيتُ وجوده في بداياتي، ورؤية متدربين يدخلون المعمل محملين بأسئلة الأمس، ليخرجوا منه رواد أعمال.


رسالة لكل صاحب شغف

أدركت أن البداية لا تحتاج الكمال، بل تحتاج قرارًا. أنا لم أكن مختلفة عنك. كنت فقط أصرّ على المحاولة. "واليوم أؤمن أن كل امرأة تملك شغفًا حقيقيًا، قادرة أن تبدأ...

رسالتي لكِ: لا تنتظري طريقاً سهلاً، بل تذكري دائماً أنكِ أقوى من كل الظروف."


حصاد 8 سنوات.. ومنظومة "معمل الطبيعة"

خلال 8 سنوات من العمل والعطاء المستمر، كبر الحلم ولم يعد "معمل الطبيعة" مجرد مختبر منزلي راقٍ، بل تحول بفضل الله إلى منظومة علمية متكاملة لخدمة ودعم كل صانع منتجات طبيعية، وقد أثمرت هذه الرحلة عن:

  • مبادرات مجانية لنشر الوعي: إيماناً بمسؤوليتي تجاه المبتدئين، أسستُ قناة "معمل الطبيعة" المجانية على يوتيوب، وأطلقت دورة مجانية متكاملة عبر موقعي الرسمي (www.salwalab.com)، بالإضافة إلى مدونة ثرية بالمعلومات الموثوقة لمساعدة كل شغوف.
  • أكاديمية تدريبية متخصصة: قدمت من خلالها 8 دورات احترافية متقدمة (أونلاين)، وخدمة التدريب الحضوري المكثف، إلى جانب تأسيس منصة خاصة توفر ملفات وتركيبات مدروسة لمن يبحث عن الاحتراف والتطور.
  • خدمات استشارية وتطويرية: تشمل تقديم استشارات متخصصة لرواد الأعمال، وخدمة بناء وطلب تركيبات حصرية من الصفر.



ولأن رسالة العلم لا تنتهي، أعكف اليوم على تدوين كل هذا الإرث في "موسوعة معمل الطبيعة للتركيبات النظيفة"، لتكون المرجع الأول للباحثين عن العلم الحقيقي، وأثراً طيباً يمتد أجره لكل من دعمني وساندني.. ورحم الله والدتي الحنونة التي كانت لي السند، والداعم، والأم التي لولا دعواتها لما وصلت.

not found